ابن الجوزي
34
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( ففررت منكم ) أي : ذهبت من بينكم ( لما خفتكم ) على نفسي إلى مدين ، وقرأ عاصم الجحدري ، والضحاك ، وابن يعمر : ( لما ) بكسر اللام وتخفيف الميم ، ( فوهب لي ربي حكما ) وفيه قولان : أحدهما : النبوة ، قاله ابن السائب . والثاني : العلم والفهم ، قاله مقاتل . قوله تعالى : ( وتلك نعمة تمنها علي ) يعني التربية ( أن عبدت بني إسرائيل ) أي : اتخذتهم عبيدا ، يقال : عبدت فلانا وأعبدته واستعبدته : إذا اتخذته عبدا . وفي " أن " وجهان : أحدهما : أن تكون في موضع رفع على البدل من " نعمة " . والثاني : أن تكون في موضع نصب بنزع الخافض ، تقديره : لأن عبدت ، أو لتعبيدك . واختلف العلماء في تفسير الآية ، ففسرها قوم على الإنكار ، وقوم على الإقرار ، فمن فسرها على الإنكار قال معنى الكلام : أو تلك نعمة ؟ ! على طريق الاستفهام ، ومثله ( هذا ربي ) ، وقوله : ( فهم الخالدون ) ، وأنشدوا : لم أنس يوم الرحيل وقفتها * وجفنها من دموعها شرق وقولها والركاب سائرة * تتركنا هكذا وتنطلق وهذا قول جماعة منهم . ثم لهم في معنى الكلام ووجهه أربعة أقوال : أحدها : أن فرعون أخذ أموال بني إسرائيل واستعبدهم وأنفق على موسى منها ، فأبطل موسى النعمة لأنها أموال بني إسرائيل ، قاله الحسن . والثاني : أن المعنى : إنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكفلني أهلي ، وكانت أمي تستغني عن قذفي في اليم ، فكأنك تمن علي بما كان بلاؤك سببا له ، وهذا قول المبرد ، والزجاج ، والأزهري . والثالث : أن المعنى : تمن علي بإحسانك إلي خاصة ، وتنسى إساءتك بتعبيدك بني إسرائيل ؟ ! قاله مقاتل . والرابع : أن المعنى : كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي ؟ ! ومن أهين قومه فقد ذل ، فقد حبط إحسانك إلي بتعبيدك قومي ، حكاه الثعلبي . فأما من فسرها على الإقرار ، فإنه قال : عدها موسى نعمة حيث رباه ولم يقتله ولا استعبده .